RSS

علمتني حياتي – عبد الرحمن اللحام 2

16 نوفمبر

بسم الله الرحمن الرحيم

عبد الرحمن اللحام.

خريج هندسة معلوماتية من جامعة دمشق.

يجري حالياً دراسات عليا خارج القطر في الحوسبة الكمومية.

مولع بالفلسفة والفيزياء ولديه اهتمام بالأدب والموسيقا، ويكتب قليلاً من الشعر (أو ما يعتقده شعراً). يحب الكلام بطبعه، وقد تعلم مؤخراً أن يستمع للآخرين.

مدونتا عبد الرحمن: مدونة عبد الرحمنعوالم علمية

عندما يغدو الحديد ذهباً

أسمعت بقصة الرجل العادي؟ هو رجلٌ نشأ في بيتٍ عاديٍ من أبوين عاديين. ذهب إلى مدرسةٍ عاديةٍ ونال تعليماً عادياً. حصل على وظيفةٍ عاديةٍ وتزوج من إمرأةٍ عاديةٍ وأنجب أطفالاً عاديين، ثم – رحمه الله – توفي بطريقةٍ عادية.

هذه القصة موجودةٌ في باحة ذاكرتي الخلفية. ذلك المكان الذي يحوي أفكاراً وقصصاً منفصلةً عن التاريخ والواقع. تشبه تلك الذكريات المبتورة عن أحداثها وأصحابها صرخة اليتيم يوم نزل إلى دنيا بدون أم. وما أصعبها من دنيا! ويأذن الله للزمن أن يمسك صرخته تلك لتكون بياناً لأهل السماوات والأرض بأنه -جل جلاله- ولي ذلك اليتيم.

وكاليتيم تماماً، تبكي فجأةً تلك الذكريات وتقفز إلى مخيلة الإنسان لتسحبه معها… خارج الزمن! وحين تبكي يهتز فكر الإنسان وشعوره كما تهتز السماوات لبكاء اليتيم. فيبادر ليضمها بحنان عله يهدئ من وحشتها في ذلك المكان. وقد يرى فيها أثناء ذلك ما يجعلها تستحق أن تكون عبرةً لا مجرد ذكرى في باحةٍ خلفية.

رجلٌ عادي؟ وهل يوجد في الوجود رجلٌ عادي؟ هل يمكن لمخلوقٍ غير عاديٍ – كالإنسان- أن يصبح عادياً؟ طبعاً في دنيانا يوجد الفقراء والأغنياء، البسطاء والأذكياء، المغمورون والمشاهير، ولكني لم أقابل بعد في حياتي رجلاً عادياً!

مشكلة هذه القصة أنها تنظر للإنسان بمنظورٍ مادي. تنظر له على أنه قالبٌ من حديدٍ يتوفر منه حالياً سبعة مليارات قطعة. الأمر الذي يستلزم منه أن ينقلب ذهباً كي يصبح ثميناً، كي يصبح نادراً، كي يصبح غير عادي!

وترتفع الدعوات هنا وهناك لاستخدام طلاء من نوع خاص، طلاء ذهبي. وفي عصر السطحية والدعاية الفارغة تتغير المسميات. فيغدو الطلاء إكسيراً يحيل الحديد ذهباً. ويسوق ذلك المنتج على حساب الجوهر الإنساني، فتغدو مميزاً لمجرد استخدامك ذلك الطلاء. فإذا ملكت سيارةً فارهةً أو بيتاً عظيماً أو أصبحت مشهوراً وخلدت اسمك، “عندها فقط ستغدو ذهباً”، هكذا كتب على علبة الطلاء.

سيدي، هل يصبح الصدق رخيصاً إذا انتشر بين الناس؟ هل يرتفع الكذب إذا ندر وقل؟ والحب، ذلك الشعور الأعظم على الإطلاق، أيمكن أن نطلق عليه لقب “عادي”؟ أحب الأب لابنائه عادي؟ وحب الرجل لزوجته، هل هو عادي؟ وعاملٌ بسيط يكدح من من أجل عائلته، اتعتقده عادياً؟ وهل أشواق المسافر لأهله عادية؟ وأحزان الإنسانية وآلامها، أهي عادية؟ مريضٌ يصارع السرطان ووالدته تنظر إليه من وراء زجاج غرفته، أهذا مشهد عادي؟

ربما تكون مغموراً. لا يتجاوز عدد محبيك أصابع يديك. حالك كحال معظم الناس في هذا العالم. ولكن اعلم أن تميزك الحقيقي ليس بإمكانياتك المادية أوالفكرية، ليس بشهرتك ومنصبك وأموالك، ليس بإنجازاتك التي تركتها للبشرية. تميزك الحقيقي يبدأ من ذاتك، من إنسانيتك، يبدأ بأن تكون كما أرادك الله تماماً… أن تكون إنساناً.

Advertisements
 
2 تعليقان

Posted by في نوفمبر 16, 2011 in علمتني حياتي

 

2 responses to “علمتني حياتي – عبد الرحمن اللحام 2

  1. nouronline

    نوفمبر 20, 2011 at 9:40 م

    السلام عليكم
    “ويأذن الله للزمن أن يمسك صرخته تلك لتكون بياناً لأهل السماوات والأرض بأنه -جل جلاله- ولي ذلك اليتيم”
    تعبير جميل جداً. صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.
    من أجمل اللحظات التي تمر على الإنسان هي تلك اللحظات التي يترك فيها ما أراده له الشيطان و يعود إلى ما أراده الله له، أن يكون ذلك المخلوق الي كرمه الله و رفع منزلته و أحبه و هيأ له جنة عرضها كعرض السموات و الأرض. يوم أن تسجد لله فتجد هناك نفسك، يوم أن تغمض عينيك و ترجو الله العظيم، لتجد حاجتك قبل أن تطلبها. ما أجملها من لحظة.
    ما أجمل أن تعيد نفسك ذهباً كما أرادك الله أن تكون، و ألا ترجع للحديد الصدأ كما أرادك الشيطان أن تكون.
    شكراً جزيلاً لك أخ عبد الرحمن. و أسلوب جميل جداً نغبطك عليه.

     
    • عبد الرحمن

      نوفمبر 22, 2011 at 3:20 ص

      وعليكم السلام ورحمة الله
      شكراً جزيلاً آنسة نور على هذه التأملات اللطيفة.

      دمت بخير

       

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: