RSS

علمتني حياتي – محمد شادي الراجح

25 نوفمبر

بسم الله الرحمن الرحيم

محمد شادي الراجح

أراد أن يكون أشياء كثيرة، و لكن الله أراد له أن يكون شيئاً آخر.

فلعل ما أراده الله له يوصله لما أراده هو لنفسه.

مدونة إقرأHow I Changed My Life blog

حياتك منحة فلا تهدرها

هكذا بدأت القصة: كان على متن الطائرة، و شاء القدر أن تتعرض الطائرة لحادث و تسقط في البحر، لتلتقطه الأمواج بعدها و تمضي به إلى جزيرة يتيمة في وسط هذا البحر الذي يمتد من حولها لللانهاية. استيقظ من هول ما حدث ليجد نفسه وحيداً، لأول مرة في حياته، وحيداً لا صديق و لا عزيز من حوله، وجد نفسه في عالم جديد و لا أحد يشاركه في هذا العالم.

كان الأمر صعباً جداً عليه في بداية الأمر، حتى أنه فكر و عزم على الانتحار!  قرر ذلك و بدأ يمضي في تنفيذ ما عزم عليه. بدأ بقطع بعض الأغصان ليعريها من لحائها و يصنع من ذلك اللحاء حبلاً لينهي به حياته، أراد من ذلك اللحاء الذي كان يمنح الحياة للأغصان أن يسلبه حياته!. صنع الحبل و اتجه لأعلى نقطة على تلك الجزيرة حيث كانت شجرة تمد رقبتها من على جرف هاوٍ و كأنها تحاول أن ترمي بنفسها هي الأخرى كارهة وحدتها و غربتها، إلا أن جذورها لا تزال ترفض أن تنساق لرغبتها فتمسك بها إلى الأرض و تمنعها من السقوط. ربط الحبل حول الشجرة و قبل أن يضع الحبل حول رقبته أراد أن يختبر الأمر، فهو لا يريد أن يسقط على الارض فتتكسر عظامه من دون أن يُذهب روحه.

ربط ساق شجرة بذلك الحبل و ألقى به من على تلك الهوة. لم ينقطع الحبل و لكن الشجرة التي كانت تمسك به و تمسك بها جذورها، لم تقاوم ذلك الثقل فانكسرت. معلنة له رفضها لهذه الفكرة و كارهة لأن تكون سبباً في تجربتها فكيف في تنفيذها!

ألم به الحزن و أحاطت به الوحدة. و عاد إلى شاطىء البحر، يبحث عن أمل يتعلق به، عن بصيص ضوء ينير له طريقه للنجاة. جلس و فكر ثم قدر ثم نظر، إلى أن غابت الشمس معلنة نهاية يومه هذا و مرسلة به إلى عالم آخر. حيث لا تستطيع الظروف أن تؤثر عليه، حيث هو من يصنع عالمه و يديره كيف يشاء.

استيقظ في يومه التالي و هو ملقى على شاطىء البحر، و لكنه لم يستيقظ لوحده، إنما استيقظت معه إرادة الحياة و التصميم على النجاة و المضي قدماً مهما كانت الظروف و مهما بدا الأمل ضعيفاً. بدأ ينظر من حوله عما جلبته الأمواج معه إلى هذه الجزيرة. وضع كل ما وجده جانباً و راح يبحث عن مكان ليبيت فيه لياليه التي بدت و كأنها لن تنتهي هنا. وجد كهفاً فجهزه ثم اتجه للغابة يبحث عن أي شيء يمكن له أن يعينه في حياته الجديدة هذه. بدا الأمر له و كأنه خرج للتو من رحم أمه و لكنه خرج و هو هكذا، يرعى نفسه و لا أحد يرعاه، يبحث عن طعامه و لا أحد يطعمه، ينام لوحده و يأكل لوحده، و كأنه يصنع حياته هو بنفسه من دون أن يصنعها له أحد.

و بدأت الأيام تمر، و كان بحاجة لصديق يتحدث معه قبل أن يبدأ بالتحدث مع نفسه. فاتخذ من كرة رافقته في رحلته هذه صديقاً و رسم ابتسامة ذل الصديق بدمه.

استطاع أن يشعل ناراً و يصطاد و يأكل و يعيش. و بدأت حياته تسير على ما يرام في تلك الجزيرة النائية. يأكل ما يصطاده و لا يصطاد إلا ليأكل. بدأت نفسه تصفو في تلك البيئة الصافية النقية. حيث لا أحد يعكر عليه أيامه و لياليه. يقضي يومه مع صديقه يحدثه و يناقشه و يغضب منه أحياناً. يأكل حين يجوع و ينام حين يتعب. بدت حياته و جميلة هادئة من جديد.

و في صباح أحد الأيام استيقظ على صوت غريب، صوت شيء يرتطم بالصخور. و لما اتجه للشاطىء شاهد قطعة كبيرة من المطاط القاسي جلبتها له الأمواج. فسر بها و نصبها على الشاطىء و جلس يتأمل فيها. و بينما هو يتأملها هبت عليها الريح فأوقعتها على الرمال. هنا توقف قلبه عن النبضان أو كاد، هذه هي! اشتعلت في رأسه تلك الفكرة التي كان يحاول إبعادها عنه طوال هذه السنين التي قضاها على الجزيرة، اشتعلت و اتقدت الفكرة التي كان يحاول إطفائها في كل مرة تتقد فيها. سيحاول أخيراً بناء القارب الذي تكون فيه هذه القطعة شراع النجاة الذي سيعيده إلى عالمه الأول حيث كان.

و بدأ في تنفيذ الخطة، فجمع كل ما أمكنه جمعه من الجذوع ليصنع منها القارب الذي سيحمله إلى العالم الآخر. و بدأ بجمع الأغصان الفتية لينزع عنها لحائها و يصنع منها الحبال التي ستثبت الجذوع مع بعضها البعض. و كان يعرف أن الريح ستكون مناسبة للإبحار بعيداً عن هذه الجزيرة بعد أيام قليلة. فالتفت إلى صديقه و قال له:

“دعنا نعمل بجد و لا نرتكب ذلك الإثم، دعنا لا ندر ظهرنا للوقت”

و بدأ يعمل كل يومه في بناء هذا القارب و لكنه أدرك أنه ينقصه بعض الحبال ليثبت بها قاربه هذا. و قد نفذت كل الأغصان الفتية التي تصلح لصناعة الحبال. فمن أين يأتي بمزيد منها؟ جلس يفكر هو و صديقه ثم استدار إليه و قال له:

“أعرف ما ستقوله لي، أعرف أين يمكننا أن نجد المزيد من الحبال”

و فعلاً عمل بنصيحة صديقه و اتجه إلى أعلى قمة في الجزيرة، إلى المكان الذي أراد فيه أن ينهي حياته. صار الآن بحاجة إلى الحبل الذي أراده نهاية حياته فأصبح هو السبيل لإنقاذها. أخذ الحبل و عاد إلى قاربه و أتم تجهيزه و انتظر الرياح لتغير من اتجاهها و تصبح ملائمة للإبحار. و ما هي إلا أيام و تغير الريح من اتجاهها و يبدأ صديقنا رحلته و ينزل القارب إلى الماء و يشق طريقه وسط الأمواج العالية. هي تحاول أن تعيده للجزيرة و هو يجذف بيديه و قلبه معاً سعياً للابتعاد عن هذه الجزيرة. و استطاع أخيراً أن يتغلب على أعلى الأمواج التي كانت تقف بينه و بين عباب البحر. و عندما تجاوز أخر موجة عالية رقت الرياح و هدأت الأمواج و استقرت. و كأن الأمواج لا تهدر إلى عندما تقترب من الجزيرة، معلنة ان الخروج منها لن يكون إلى بتجاوزها. و ما إن تتجاوزها حتى تصفو لك و تصبح صديقة محببة.

و ما هي إلا أيام و تمر من قربه سفينة تنتشله من هذه الدنيا التي كان يعيش فيها إلى دنياه الأولى. و هنا تنتهي محنة بطلنا عندما يعود إلى عالمه حيث كان. لكنه عاد ليجد زوجته قد تركت إسمه و تزوجت من غيره، تلك المخلوقة التي أحبها أكثر من نفسه تركته. عاد ليجد نفسه يبدأ من الصفر. و كأنه ولد مرة أخرى. كان ما وجده هنا صعباً عليه أيضاً، و لكنه همس لنفسه و قال لها:

“دعينا لا نحزن من جديد، فنحن لا نعلم ما سيجلبه المد لنا غداً”

و بدأ حياته من جديد و انطلق فيها لا ينظر للخلف إنما ينظر للغد الذي كان واثقاً من أنه سيأتيه بشراع آخر يضعه على سفينته و يشق بها أكثر الأمواج عتواً في حياته، ليصل مرة أخرى إلى الاستقرار و الهدوء وسط البحر.

هكذا تنتهي قصة هذا البطل، و لكنها لا تنتهي في حياة كل منا. فهي تبدأ و تنتهي لتبدأ من جديد. في حياتي كما في حياتك محن كتلك التي عاشها بطلنا. عندما نجد أنفسنا بلا رفيق و لا صديق. عندما نجد أنفسنا في عين العاصفة، عندما ننظر من حولنا فلا نجد أحداً. عندما نريد لحياتنا أن تتوقف. عندما نبتعد عن الطريق الذي رسمناه لأنفسنا، فتأتي تلك الجذور لتمسك بنا و تمنعنا من السقوط إلى الهوة. أحياناً نحس بالوحدة و الغربة و نحن وسط أهلنا و أصدقائنا. تذكر غربة بطلنا و كيف كانت سبباً في صفاء روحه و هدوئها و لا تجزع منها. فقد تكون هي الوقت المناسب لتلفت إلى نفسك و تعتني بها أكثر.

و عندما تحلم بشيء و تتمنتى لنفسك أن تحققه، فتأتيك الظروف لتقول لك بأنه مستحيل، إياك أن تقتل الحلم و تلقي به بعيداً. تذكر الشراع الذي أهدته الأمواج لبطلنا و كيف أشعل حلمه من جديد. دع حلمك يسكن في قلبك و إبدأ بجمع الأغصان و ثبتها معاً في سبيل تحقيق حلمك. ثبتها لا بالحبال و لكن بعزيمتك و إصرارك على تحقيق حلمك. و كن على يقين بأنك ما أن تنهي بناء قاربك حتى تجد الامواج قد جلبت لك الشراع لتبحر به نحو حلمك. و تذكر أن الشراع لن يفيدك من دون القارب، فلا تنتظرن الشراع قبل بناء القارب.

إياك ثم إياك أن تدير ظهرك للوقت، فذاك أشد الآثام التي يمكن أن ترتكبها في حق نفسك. لا تدع الوقت يمر و أنت لا تفعل شيئاً. لا تدع الوقت يمضي و أنت تسير خلفه. إمض في عملك و لا تتوقف فالوقت لا يتوقف. تذكر أن راحة ساعة بعد عمل يوم ألذ ألف مرة من راحة يوم بعد عمل ساعة. فاجعل العمل ديدنك في هذه الحياة لأننا وجدنا لنعمل وليس لنرتاح. لا تدر ظهرك للوقت فأنت إن أدرت له ظهرك أشهر سيفه و قصمك، و إن استقبلته بعملك أهدى لك أجمل ما عنده، و الأمر لك.

تذكر أنك حين تبحر نحو حلمك ستواجهك أعتى الأمواج. فلا تيأسن و لا تبتأس إنما جاهد نفسك و استمر بالتجذيف، جذف و كأنك تريد أن تبتعد عن تلك المحطة من حياتك إلى المحطة التالية. جذف في وجه أعتى الأمواج و كن على يقين بأنك ما إن تتجاوز أعلى موجة حتى تجد نفسك وسط الهدوء و الاستقرار. فلكل محطة من محطات حياتك أمواج تسعى لأن تبقيك فيها و لن تستطيع الوصول للمحطة التالية حتى تتجاوز أقواها.

هكذا هي حياة كل منا، أيام تمر، و أحلام تولد. فاستفد من كل يوم من أيام حياتك، فهو إن ذهب فلن يعود. لا تنظر للخف فلن يأتيك منه شيء، و لكن ترقب الغد فلا تدري ما سيجلبه لك. لا تجلسنّ منتظراً معجزة تحقق بها أحلامك، و لكن إبدأ في بناء القارب و ما أن تنهيه حتى يهديك الله تعالى الشراع الذي ستحقق به حلمك، فلا شراع بلا قارب.

أنت بطل حياتك، فانظر ماذا تفعل بها.

 

Advertisements
 
3 تعليقات

Posted by في نوفمبر 25, 2011 in علمتني حياتي

 

الأوسمة:

3 responses to “علمتني حياتي – محمد شادي الراجح

  1. nouronline

    نوفمبر 27, 2011 at 12:09 ص

    أجمل ما خطر ببالي:
    أن أقوي من تمسكي بكتاب الله و سنة نبيه، فتلك هذ الجذور التي تمسك بي و تمنعني من السقوط إنما صادقت هوة ما في حياتي.

     
  2. دعــــوة

    يونيو 14, 2012 at 11:52 م

    مما لفت نظري في قصة صاحبنا :
    -الكرة التي جعل منها صديقا له … ليرى فيها انعكاس ذاته …. الذي لايمكن أن يراه إلا بصديق
    وحين فقده اخترعه من العدم ….
    -وغربته التي منحته صفاء روحه ونقاءها …. وهذا ماتفعله فينا ظروفنا الحالية تماما …

    القصة تحمل معان عميقة وخصوصا إن غذيت بالإيمان … فالأنس بالله يؤنس الغريب ويساعد على تجاوز كل صعوبة …
    بوركت يمناك أخي …

     
    • shadispire

      يونيو 15, 2012 at 1:19 ص

      و يمناك أيضاً 🙂

       

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: