RSS

علمتني حياتي – حازم سباغ

09 مارس

بسم الله الرحمن الرحيم

حازم سباغ

خريج كلية الشريعة جامعة دمشق.

يعمل حالياً على رسالة الماجستير

مولع بالأدب و يتمنى أن يغوص في بحور الرياضيات و العلوم.

مدونة حازم

الحال المرتحل

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على نبينا محمد “صلى الله عليه وسلم”، وبعد: فقد سافرت كثيرا مابين حلب والشام، حتى ترسخت في نفسي معان كثيرة، تتعلق بذلك الإنسان الحال المرتحل، الذي حل في صلب أبيه وارتحل إلى رحم أمه ثم حل فيه، وارتحل إلى دنيا عجيبة أطوارها، دقيقة سننها وقوانينها، ولا ريب أنه مسافر الآن ومرتحل إلى أول منزل من منازل الآخرة، وهذا الأمر ينساق على الكبير، والصغير، وكذلك على الوزير والحقير”البسيط” ليحل في قبره ثم يرتحل بعد ذلك إما إلى جنة فنعيم مقيم، أو إلى جهنم فجحيم سقيم.

وبطلب من صديق “غال على قلبي” أن أكتب ما تعلمت من هذه الحياة، بعد أن قطعت ستا وعشرين سنة، وانا أمشي باتجاه ذلك القبر، أجيبه الآن لما طلب، قاصدا بذلك أن لا أوقف تلك الخواطر، وأمرر تلك المشاعر إلى إخوتي في ذلك الطريق، تكون لمن فقدها زادا وموردا جديداً، ولمن ملكها زيادةً في رأس مال خبرته في هذه الحياة، وقبل ذلك وبعده، قوله تعالى: ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين).

جلست مرة مع صديقي، وصديقتي اللذان إذ لطالما أحببت الجلوس إليهما ومعهما، فسألتهما قائلا: “أصبح صديقكم _ أي أنا_ عجوزاً هرماً _بلهجة من لا يثق بنفسه، ولا يذكر ماقدم وأخر_، وهو لا يدري ما علمته الحياة”.

فأشرقت ابتسامة من صديقتي الورقه، وقالت: ” بل أنت شاب ناضج، عاقل، ألمعي، لديك الكثير تخبئه في طياتك، صحيح أنك تبعثره هنا وهناك، لكن آه لو تنشر ما طويت، وتبعث من في القبور، ولكن لعلك نسيت تلك المقالة، التي نشرتها بجامعتك فأقبل عليها الطلاب كأنهم عطشا، وكأن مقالتك ماءً فراتاً، أو لعلك نسيت ذلك الموضوع .. وهكذا بقيت صديقتي الورقة تثني عليَّ حتى استعدت جزء من شبابي الضائع، وثقتي المهدورة،  ثم أردفت قائلة: أرجوك لا تكن سجين الوقت، معذباً نفسك بكثرة نظرك لعداد الوقت وانت جالس تندب حظك، وتقول: _ وقالتها بابتسامة_ ” هرمنا” _ في إشارة منها لذلك الرجل التونسي صاحب هذه المقولة الشهيرة_ أرجوك انظر إلى الأمام لا تنظر إلى الليل كم طال وكم قضيت فيه نائماً، انظر الآن إلى اشراقة الشمس، انظر ما أجملها من اشراقه، وما أجمله من نهار، وإن لك فيه سبحاً طويلاً، بل انظر إلى وجهك الذي يعبق مثل حقول الورد، وهي تتكلم ذلك الكلام، ما كان مني إلا أن باغتها فقبلتها من ثغرها الباسم، قبلةً عني وعن كل عاشق لم تسمح له الأيام بلقاء محبوبته بعد، لا أدري بأي مقياس تقاس قبلتي تلك، ولكن كل الذي أعلمه أن صديقتي انحلت مفاصل سطورها، واحمر بياضها خجلا، وسكتت فغابت، وفي لحظات كالبرق استفاقت على صوت صديقي القلم الذي طقطق وهمهم قائلا: يا جماعة نحن هنا، ما بالكم وبال كل عاشق لا يعتبر من حوله، وكأن  الزمان والمكان تلاشيا، ولم يبق سوا قلبين يغليان ويهتزان اهتزاز الذرة، والكلمات ما تفتئ بينهما وكذلك البسمات، تقيم جسور الحب بين قلبيهما…

فقلت له: وأمثالك، وأمثال كل عاذل ينغص تلك الأجواء السماوية بمثل هذه الهرطقات، والهمهمات، والطقطقات الأرضية، إليك عنا، وإن كنت تدري ما الغرام فداونا أو لا، فخل عنك العذل والتفيدا..

والله وبالله وتالله، لو حلفت أن الله لم يخلق في هذه الدنيا أحلى من الحب، لم أحنث بيميني.

فرفع صوته_ اي القلم_ قائلاً: حبيبي… وإن ذكرتك بما هو أحلى من الحب، فقلت: لا تستطيع..

فقال: ” قيام الليل بسورة البقرة” ألم تقل لي مرة أن أحلى ماعلمتك الحياة، تلك الركعات التي تقومها في جوف الليل بسورة البقرة.؟؟؟؟

فسكنت قليلاً، ثم أردف، ألم تساررني مرة أن نصف ساعة تجلس فيها بعد ركعتين ترفع يديك تدعو وتدعو، حتى تمطر سحابة عينيك، دموعا تكون فيها الحياة لأرض قلبك، وهذه الدمعات مع تلك الركعات، هي نعيم الدنيا والآخرة، بنظرك؟

ومازال يتكلم وأنا بصمت مطبق، أريد أن استكته، ولكن تعودت أن أسمع حتى آخر لحظة.

ثم أردف قائلاً: أما مرة حدثتني، عن فرحة أدخلتها لقلب يتيمة صغيرة، ببعض الأكلات، والكلمات الطيبة، وعن فرحة أدخلتها قلب ذلك الشاب المعاق، فادخرها الله لك، والآن يعطيك ثمراتها فرحات لا توصف مع،،،، فسارعت إلى فمه، ووضعت يدي على فمه ساداً إياه، وقائلا: ثكلتك أمك، لا أحب أن أقاطع أحدا، ولكنك ألجأتني كسر عادتي، وهنا رحت أسترضيه، بقولي: ياحبيبي، ياصديقي،من ستر مسلماً ستر الله عليه.

ثكلت أمك صهن، ولا تنبس ببنت شفه.

فهز حاجبيه قائلاً: دعنا إذن نكتب ما علمتك الحياة، ولا تحلف ولا تحنث، فأنا بالمرصاد وأعلم الشاردة والواردة، وإخوتك القراء، لن ينطلي عليهم أسلوبك هذا، الذي تعطي فيه ماعلمتك الحياة بشكل غير مباشر، أو عن طريق محادثة وماشاكل ذلك.

آه منك، أمرك يا صديقي فاليوم يومك، وهيا قل لهم ما علمتني الحياة.، هيا:

أهم ما علمتني الحياة: أن ما تزرعه سوف تحصده، فكما قدمنا، بأننا نحل بمكان ما؟ ” بيت بين أهلنا، أو آجار مع رفاقنا، أو موقعنا في العمل، أو مقعدنا في الدراسه…” ثم نرتحل، فإن زرعت وردا وياسمينا، فبعدما ترتحل ستُذكرُ بزارع الورد والياسمين، صاحب السيرة العطره، وإن زرعت أخلاقاً كريمة، تواضع تعتز به، وصبرا تتدرع به ، ومبادرة في الأعمال الحسنة، سترحل ويقال كم اشتقنا لفلان، وأما إن زرعت حقدا وحساً، وأنانية ونرجسية وسعيا لمصالحك فقط، فسيدعُ الجميع_ إن كانوا في أعلى درجة من الأخلاق: يارب أسعده وأبعده، وإن كانوا على أقل درجة سيدعون عليك، ويقولون: بئس العشير، دعونا من سيرته، سحقا له، ولتربيته.

فتخيل نفسك الآن غادرت محيطك لظرف قاهر،ولم يعلم الجميع أين أنت، كيف تتخيل الناس بعدك؟ كلامهم، ردت فعلهم، تأثرهم لفقدك، ….؟

لقد غاب سيد شباب أهل الجنة، ابن علي ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم، فبكت خمسون عائلة أو أكثر وقالوا ذهب  من كان يأتينا بالبر والطحين، ووجدوا على ظهره بعد موته آثر ذلك؟ والأمثلة كثيرة ولن أطيل.

فازرع ماشئت واعلم، بأن عذاب الأولى نعيم الآخرة، وأيقن بأن شهوة الأولى سيكون وبال الآخرة، ولا ريب بأن حظ النفس في الأولى هو ضياع للنفس في الآخرة. فهذه قاعدة جليلة لطيفة عظيمه، وهي عبارة عن مقدمة ونتيجة.

أخيراً: لن أفعل كعادتي بتلخيص ماسبق، والتذيل بما أرشد الكلام اليه، خوف الإطالة ولضيق الوقت.

هذا صديقي القلم يحيكم، وتلك صديقتي الورقة، تسلم عليكم، وأنا صديقكم المحب حازم أبو أحمد أنثر عليكم ورود الوداع على أمل اللقاء مرة أخلى، دمتم سالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Advertisements
 
10 تعليقات

Posted by في مارس 9, 2012 in علمتني حياتي

 

10 responses to “علمتني حياتي – حازم سباغ

  1. shadispire

    مارس 9, 2012 at 9:14 ص

    ذكرتني بأبيات الشافعي “سافر تجد عوضاً”:
    سافر تــجد عوضــا عــمن تفارقــــــه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
    مــــا في المقـام لــذي لـب وذي أدب معزة فاترك الأوطــــان واغتــــرب
    إنـــي رأيت وقوف المـــــاء يفســــده إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطـــب
    والبدر لـــــولا أفــول منه مــا نظََرت إليـــه في كــل حـين عين مرتـــــقب
    والشمس لــو وقفت فـــي الفلك دائمة لملّها النـــاس مــن عُجــم و عَــرب
    واالاُسـد لـولا فراق الغاب مااقتنصت والسهم لــولا فراق القوس لم يصب
    والتبر كـــالتبر ملقـــى في معادنــــــه والـــعود في أرضه نــوع من الحطب

    أدعو الله لك أن تكون كالعود تعطر كل مجلس تحل فيه، و كالسهم لا تغدو إلا لتصيب هدفك. ليس أجمل من أن تنطلق لتحقيق حلمك و هدفك أينما كان و مهما كانت الطريق صعبة. و ليس أقبح من أن يظل الإنسان خائفاً من كل طريق لم يجربه من قبل، فيبقى إنساناً عادياً بأهداف عادية بمنجزات عادية!!!
    سافر تجد عوضاً و انصب و تحرك فذاك ديدن المؤمن 🙂
    وفقك الله لما يحبه و يرضاه لك.

     
    • حازم

      مارس 13, 2012 at 5:31 ص

      جزاك الله خيرا, أخ شادي.
      وعلى العين والرأس كلام إمامنا الشافعي, ولكن كيف أجد عوضا عنك عندما أسافرا؟

       
      • shadispire

        مارس 19, 2012 at 12:35 م

        حالياً يتوفر مني نسختين و نسخة ثالثة بيتا أعمل على تطويرها للوصول للمستوى المطلوب 🙂 الاشتراك مجاني 😉

         
    • hazem2022

      مارس 13, 2012 at 7:24 م

      جزالك الله خيرا, أخ محمد, ولا أظن انني أجد عوضا عنك لو سافرت. وفقني الله وإياك لخدمة دينه.

       
  2. nourulhuda

    مارس 11, 2012 at 9:43 م

    جزاك الله خيراً
    ووفقك لما يحب ويرضى دوماً

    وحبذا لو مدّ القلم يده للورقة ببعض التعديلات الإملائية فيجتمع جمال المبنى مع طيب المعنى

     
    • حازم

      مارس 13, 2012 at 5:40 ص

      شكرا جزيلا,
      وقد مد القلم يده للورقة, من الأجل التصحيح, ولكن أبت الورقة, إلا أن يكون التصحيح بغير ذلك القلم, للمقاطعة التي تسببها في المقاله؟
      شكرا مرة ثانية, للملاحظة على الأخطاء ونعدكم عندما تكون الكهرباء في أحوالها الطبيعية ألا يكون هناك أخطاء من هذا النوع بإذن الله.

       
  3. أخوك أبو بكري ( صلي على النبي )

    مارس 11, 2012 at 11:09 م

    لا أدري بماذا أعلق وبماذا أتكلم ….
    لقد أعدتني إلى ذكريات جميلة وأيام رائعة لا أنسها ما حييت ….
    ذكرتني برفقة الدين والعلم والقرطاس والقلم …..
    نشتاق إليكم يا شيخ حازم وإن بعدنا عنكم كثيراً إلا أن مكانكم في القلب ما زال باقياً ومحفوراً في وجداننا ……

     
    • حازم

      مارس 13, 2012 at 5:44 ص

      حفظك الله, الأخ الغالي أبو بكري, وتالله إن بسماتك, وتذكيرك إيانا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, لا ينساه إنسان طبعه النسيان, فكيف بمن لمس طيب أصلك, وهو الأن مشتاق للجلوس معك؟

       
  4. al-telmitha

    مارس 12, 2012 at 3:26 م

    قد أضحى قلمي عقيما بعد ما خطته يمينكم
    بارك الله فيكم وفتح لكم وبكم

     
  5. حازم

    مارس 13, 2012 at 5:48 ص

    وفيك بارك, وأنجب من قلمك النسل الصالح الطيب الكثير من الكلام الذي كلنا نشتاق قراءته, كيف يصبح عقيما, وانت صاحبه؟

     

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: