RSS

علمتني حياتي – عبد الرحمن اللحام 3

15 أبريل

بسم الله الرحمن الرحيم

عبد الرحمن اللحام.

خريج هندسة معلوماتية من جامعة دمشق.

يجري حالياً دراسات عليا خارج القطر في الحوسبة الكمومية.

مولع بالفلسفة والفيزياء ولديه اهتمام بالأدب والموسيقا، ويكتب قليلاً من الشعر (أو ما يعتقده شعراً). يحب الكلام بطبعه، وقد تعلم مؤخراً أن يستمع للآخرين.

مدونتا عبد الرحمن: مدونة عبد الرحمنعوالم علمية

ألوان

يمكن للفنّ – إن كان ذا رسالةٍ ساميةٍ – أن يغير حياة الإنسان بالكامل. وتكاد بعض الثقافات أن تحمل الناس من خلال فنّها في سفينةٍ معنويةٍ فتنقلهم إلى ذواتهم، وربما كشفت لهم حقائق أنفسهم، أو ربما عاشوا تجربةً روحيةً عميقةً في رحاب هذا المنتج الفني. ولا عجب، فالفن الصادق يخرج من القلب، من الروح.

شاهدت مؤخراً فلماً يابانياً بعنوان Colorful (إعلانه في أول المقالة)، يتحدث عن شاب مات ولكنه حصل على فرصةٍ للعودة إلى الحياة مجدداً ليصلح أخطاءه وليكتشف ذاته. لن أفسد متعة مشاهدة الفلم بذكر تفاصيله هنا. وسأكتفي بذكر بعضاً من المعاني التي عشتها وأنا أشاهده.

أين هي تلك السعادة الضائعة؟ أين هو ذاك المفقود الذي ما فترت الإنسانية تبحث عنه؟ أذهلني الجواب الذي قدمه هذا الفلم، فالسعادة في الحياة نفسها إن فهمنا معناها. ليست في مال نمتلكه أو شقة نسكنها أو سيارة نركبها. بل في أن نرفع عن أعيننا أغطية العادة وأن نزيح النظارات الرمادية لنرى جمال الألوان التي تزين حياتنا.

كان من سنة رسول الله – بأبي هو وأمي – أن يقول إذا استيقظ من النوم (( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور )). ينظر البعض إلى الموت على أنه تلك المصيبة التي ستنهي الحياة وتفرق الأحباب. أما هذا الحديث، فيعطي للموت بعداً آخر، يجعله الدافع للحياة، يجعله المعنى الذي يقلب يومك إلى سعادة حقيقة. تصور لو أنك متّ فعلاً وانتقلت إلى الدار الآخرة، ثم جاءتك الفرصة لتعود إلى الحياة مجدداً، كيف ستكون نظرتك إلى الحياة؟

 لاحظ أنني لا أتحدث هنا عن فقدان الأمل في الحياة أو عن توقع الموت. وإنما أتحدث عن جمال الفرصة التي مُنحت لنا، عن اليوم الجديد الذي كُتب لنا، عن نعمة أن نعيش الحياة نفسها. لا أقصد من كلامي هذا أن يتحول يوم المرء إلى صلاة وصيام وانقطاع عن الدنيا. على العكس تماماً، خذ نفساً عميقاً واحمد الله أنك تملك هذه الفرصة. تأمل في جمال الأشياء التي تملكها. وأولها أن تكون حياً.

أنطلق في هذه الحياة وأنت شاكر لهذه النعمة العظيمة. توقف عن النظر إلى ما ينقصك وانظر إلى عظيم العطايا التي ملكتها بالمجان. أعد النظر في حياتك تراها مليئةً بالألوان. لا ينقصنا في الغالب لون جديد نضيفه، ما ينقصنا هو عين مبصرة تستمع بآلاف الألوان التي تزين أرجاء حياتنا. كل يوم نعيشه هو معجزة حقيقية. نعم، معجزة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هو فرصة ذهبية جديدة، هو أغلى من مال الدنيا ومتاعها. هلّا توقفنا عن اللهاث وراء سراب نخاله إكسير السعادة السرمدية وهو – في الواقع – لن يزيدنا إلا همّاً وتعباً؟

 فكّر قليلاً قبل أن تتابع القراءة. ربما يكون من المفيد أن تغمض عينيك قليلاً وأن تتأمل في يومك هذا على أنه الفرصة الجديدة التي أعطيت لك.

دعوتي هنا ليست للزهد أو التخلي عن الدنيا، ولا أناقش هذا الأمر أصلاً. إنما أتحدث عن مكان السعادة، وهي – بنظري – بعلاقة صحيحة مع الله تبارك وتعالى قوامها الأساسي الشعور بعظيم النعمة التي وهبها الله لنا.

ثمّ ماذا؟ كن صاحب صدرٍ واسعٍ. وسعة الصدر تحتاج إلى رجاحة عقلٍ وفهمٍ للطبيعة الإنسانية. أنظر إلى من حولك، إلى أقرب الناس إليك، تجد لكل واحد منهم طريقته ونظرته في الحياة. أيمكن أن نستبدل ألوان قوس قزح بلونٍ واحدٍ تحت اسم توحيد الألوان؟ أيكون توحيد الأمة ولمّ شملها بجعلها لوناً واحداً، أو فكراً واحداً، أو ديناً واحداً، أو مذهباً واحداً، أو مشرباً واحداً؟ بنظري، هذا هو التعصب.

يظهر جمال الألوان وتناسقها باحترامها لبعضها، بقدرتها على الوجود متجاورةً دون أن يطغى لون على لون، أو أن يلغي لون لوناً. يظهر هذا الجمال بقدرتها على التعايش باختلافاتها، باحترام هذه الاختلافات. وهذا الاحترام لا يعني الذوبان، ولا يعني أيضاً أن نقول بأن الأحمر كالأخضر، فهذا من عمى الألوان.

“لقد فهمت”، كلمةٌ قالها بطل الفلم في آخره، لم أدرك قبل هذا المشهد ضخامة هذه العبارة وقدرتها على قلب حياة الإنسان. استوعبت في تلك اللحظة عميق جملة فاروق هذه الأمة عمر رضي الله عنه عندما قال: ((أعقل الناس أعذرهم للناس)).

أدركت أن  اختلاف الألوان لا يقتصر على اختلاف الأفراد، فحتى الفرد الواحد يتدرح إلى ألوانٍ مختلفة. فالإنسان كاللوحة، يتكون من ألف لونٍ ولون، بعض هذه الألوان جذابٌ مشرق. وقد تحوي هذه اللوحة لطخةً سوداء هنا أو هناك. هب أنّ إنساناً أخطأ، وقد يكون الخطأ جسيماً، أيجعل ذلك منه لوحةً سوداء؟

كثيراً ما يقع الخلاف لأننا نريد أن نلغي اللون الآخر. قد نمضي سحابة يومنا ونحن نوجه النصائح لهذا أو ذاك. قد يسخط الأب على ابنه إن لم يتلون بنفس اللون. هلّا احترمنا حدود الحياة؟ هلّا ادركنا أن الإنسانية تجمعنا قبل أي شيء آخر؟ هلّا أدركنا أننا لم نخلق لنكون معصومين، وإنما خلقنا لنكون توابين؟ والله جل وعز صاحب الفضل العظيم والمنة الكبيرة ذو بابٍ مفتوح يقبل العبد متى تاب؟ إذاً فلنعذر الناس ولنتجاوز، فلكل واحدٍ بقعة سوداء كبرت أو صغرت.

قررت أن أكف عن محاولة اقناع الناس بأفكاري. لماذا لا أحاول أن أفهمهم وأفهم دوافعهم قبل ذلك؟ لماذا لا أنظر إلى الحياة – ولو مؤقتاً – من خلال المنظار الذي يستخدمونه؟ إنسانٌ آخر، عاش الحياة بطريقةٍ أخرى، له ملكات وأذواق مختلفة، فكيف يعقل أن يرى الحياة كما أراها أنا؟ أدركت الآن أنه كان بإمكاني تجنب الكثير من المشاكل التي وقعت في حياتي لو كنت أملك هذه النظرة مسبقاً. لو كنت أملك القدرة على معذرة الناس دون أن أتكبر عليهم أو أشعر بالانزعاج منهم. ليس فضلاً مني، بل حقاً لهم عليّ لو كنت أعقِل! لو كنت أملك هذه الرحابة في الصدر والدافع لفهمهم. ولكن تلك هي الحياة. المهم أننا نتقدم روحياً كلما مضى بنا الزمن.

وهنا أدركت جانباً من عظمة الرسول صلوات ربي وسلامه عليه. من ضخامة هذا الإنسان. فبعد شديد الأذى الذي لقيه من قومه ما زاد على أن قال: اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون! صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، أعذرتهم بأنهم “لا يعلمون”؟. كم نحتاج يا تُرى حتى نتخلص من ضيق الأفق هذا ونفهم بعضاً من خصائص إنسانيتنا؟

أختم كلامي بواحدٍ من أجمل الأحاديث. مرّت جنازة يهودي أمام رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، فوقف لها! رسول الله يقف لجنازة يهودي!! تعجب الصحابة رضوان الله عليهم ففالوا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فرد رسول الله بأبلغ جواب يمكن لبشر أن يتصوره : (( أليست نفساً؟)).

لا أجد كلماتٍ أصف بها هذا البعد الإنساني الرفيع عند رسول الإنسانية، رسول الرحمة المهداة، رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه. أليست نفساً؟ أليست نفساً خلقها الله؟ سواء أكان مسلماً أم يهودياً، أليست نفساً؟ سواء أكان عاصياً أم عابداً، أليست نفساً؟ ألا يدفعنا هذا الحديث إلى العودة إلى تواضعنا الإنساني والكف عن إطلاق الأحكام بحق الناس وتقييمهم وفقاً لدينهم أو مذهبهم أو وضعهم المادي أو الاجتماعي؟

Advertisements
 
2 تعليقان

Posted by في أبريل 15, 2012 in علمتني حياتي

 

الأوسمة:

2 responses to “علمتني حياتي – عبد الرحمن اللحام 3

  1. shadispire

    أبريل 15, 2012 at 3:51 م

    لست أجد يا صديقي من الألوان ما يساعدني على رسم لوحة أظهر لك فيها جمال المعاني التي رسمتها كلماتك في قلبي!

     
  2. hazem

    أبريل 16, 2012 at 6:16 ص

    جزاك الله خيرا, طيب انفاسك, وابدع الوان خلقك, وزاد في إبداعها حتى تغدوا فسيفساء ساحرة, أسرتني هذه الكلمات, و رجعت بذاكرتي إلى حائط من حيطان مكة مكتوب عليه أعقل الناس أعذرهم للناس, ورجعت بي إلى عظيم زكى خلقه الله جل وعز فقال: وإنك لعلى خلق عظيم, شكرا لك من كل قلبي أخ عبد الرحمن وأسأل الله لك مزيدا من الإبداع في عالم الكتابه, ومزيدا من الألوان في عالم الأخلاق التي حزت على حظ وافر منها, أحسبك كذلك ولا أزكي على الله أحد.

     

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: