RSS

علمتني الحياة – محمد شادي الراجح 3

03 مايو

بسم الله الرحمن الرحيم

محمد شادي الراجح

أراد أن يكون أشياء كثيرة، و لكن الله أراد له أن يكون شيئاً آخر.

فلعل ما أراده الله له يوصله لما أراده هو لنفسه.

مدونة إقرأHow I Changed My Life blog

معنى الحياة

قرأت يوماً:

إذا أردت أن تعرف ماذا يعني انتظار عام من العمر، إسأل الطالب الذي أنهى للتو امتحان نهاية السنة، و إذا أردت أن تعرف معنى الشهر، تكلم مع إمرأة ولدت طفلها قبل أوانه و هي الآن تنتظر الساعة التي تستطيع فيها ضمه إلى صدرها دون تعريضه للخطر، و إذا اردت معرفة أهمية الأسبوع، قابلْ عاملاً في مصنع أو منجم يكد و يتعب من أجل إطعام أطفاله و زوجته، و إذا أردت أن تعرف قيمة اليوم، إسأل عاشقين مغرمين بجنون، كيف يترقبان موعد لقائهما في اليوم التالي، و إذا أردت أن تعرف قيمة الساعة، فكر بالمصابين بمرض الخوف من العتمة، إذا انقطع التيار الكهربائي ليلاً، و إذا أردت أن تعرف قيمة الثانية، إنظر إلى التعابير التي ترتسم على وجه رجل خرج سالماً من حادث سير مروع، أما بالنسبة للجزء من الثاثية فراقب أولئك الرياضيين الذين يتنافسون على نيل الميدالية الذهبية بالألعاب الأولمبية بفارق جزء من الثانية، فكر بهذا الرياضي الذي يمضي حياته يتدرب و يتمرن كي يفوز على خصمه بفارق جزء من الثانية.

فقلت لنفسي:

إذا أردت أن تعرف قيمة عينيك، إنظر إلى حال من فقد عينيه أو من ولد من دون نعمة البصر، كيف يمكن له أن يتمتع بجمال خلق الله؟! إذا أردت أن تعرف قيمة أذنيك، إنظر إلى من فقد سمعه أو لم يعرف ما هو السمع، كيف يمكن له أن يستمتع بلحن من الألحان التي تأسر القلوب؟! إذا أردت أن تعرف قيمة قلبك هذا الذي بين جنبيك ينبض فيبث فيك الحياة، إنظر إلى من أصيب بمرض أضعف قلبه و هو الآن ينتظر واهباً مناسباً له، كيف يعد الدقائق و الساعات، كيف يمضي أيامه و لياليه – ينتظر الحياة!. إذا أردت أن تعرف قيمة عقلك هذا الذي يرسم لك الصور و يكتب لك الألحان، إنظر إلى من فقد عقله فهل تعرف ماذا تعني له الحياة! إذا أردت أن تعرف قيمة يديك و رجليك، فانظر إلى من فقد يده أو بترت رجله كيف يتمنى أن تأخذ منه كل ما يملك و تعود له تلك القطعة من جسمه، باتت عنده تساوي الحياة بما فيها!

سبحان الله. لنا عيون و آذان و قلوب و عقول و أيادٍ و أرجل، فهل نفي الله حق الشكر على هذه النعم؟ لماذا لا ندرك قيمة النعمة إلا بعد زوالها؟! لماذا لا نشكر الله على نعمه و  نحن نتمتع بها؟! هل حقاً نحن ننسى؟؟؟ إن كنت زرت مشفىً عاماً كنت لتدرك فضل الله عليك. كنت لترى من يجلس بانتظار جرعة من الدواء لمواجهة ذلك السرطان الذي فتك بجسمه، جرعة من الدواء تنقله من داء لداء، جرعة يعاني منها لا أقل مما يعانيه من مرضه! كنت لترى من كتب الله على طفله أن يولد و هو مريض لا يقوى على الحركة، لا يقوى على أن يسير على قدميه! قد ينفطر قلبك على ما تراه هناك، و لكن هل كنت لتدرك فضل الله و نعمه عليك لولا ذاك؟ لماذا؟ لماذا لا ندرك قيمة نعم الله علينا إلا بعد حين؟؟؟

إن كان طبع الإنسان أن يفغل عن النعم حتى يبتلى بفقدها فعليه أن يغير هذا الطبع و يثور عليه. عليه أن يدرك أنه في بحر من نعم الله عليه و أن يحافظ عليها و يشكر الله عليها في كل يوم و حين.

و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم عندما قال:

نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغ

فنحن لا ندرك قيمة الوقت حتى نُسلبه، و لا ندرك قيمة الصحة حتى نُحرمها.

هل جربت يوماً و زرت سجناً من السجون؟ إن كنت قد فعلت فستدرك ما سأقوله لك، و إن لم تكن قد زرته فأنصحك بزيارته 🙂 زيارة و ليس إقامة 😉

زرت يوماً سجناً من السجون، و حرمت مع زيارتي له الحرية. و شأنها شأن كل نعم الله علينا لا ندرك قيمتها إلا بعد أن نُحرمها. جلسنا أنا و صديقي الذي كتب الله عليه أن يكون معي في ذلك اليوم حتى تكتب له نفس الزيارة و يتعلم نفس الدرس. دخلنا السجن، و دخلنا به حياة جديدة ليس فيها ذاك التلفاز الكبير و ليس فيها ذاك الملعب المجاور لمنزلي، ليس فيها فنجان القهوة مع نسائم الصباح و ليس فيها حقول تمشي على أعشابها و كأنك تمشي على السحاب. جلسنا نعد الساعات و الدقائق، جلسنا و نحن نعد ليوم الغد، ذلك اليوم الذي سنخرج فيه. و كم كان من الغريب ما شعرنا به و نحن في السجن. قلت لصديقي بعد أول يوم ماذا سنفعل بعد أن نخرج من السجن؟؟؟ قال لي سنبدأ بالجري كل يوم و سنذهب في رحلة كل شهر! قلت له سنبدأ بحفظ القرآن و سنبدأ بالقراءة الجدّية! و كأننا كنا قبل دخولنا له جالسين مكبلين لا نفعل شيئاً! بدا لنا أن كل ما كنا نفعله غيرُ كافٍ و قليل مع ما يمكننا فعله و نحن نتمتع بالحرية!. كان أكثر ما بعث فينا هذا المعنى ما رأيناه من أولئك الذي كتب الله عليهم أن يعيشوا سنيناً هناك، بين تلك الجدران و تحت تلك السقف. و لم كان عجيباً ما رأيناه، كانوا كالنحل في خلاياه – نشاط و عمل لم أرَ مثيله قط! كأن فترة إقامتهم في سجنهم هذا هي فترة حمل يقضونها في رحم الزمنـ يعدون أنفسهم فيها لبداية جديدة، بداية تبدأ مع انتهاء حياتهم هنا، فهل ترى الجنين في بطن أمه يعبث و يلهو أم يقضي كل  ثانية و كل دقيقة يبني فيها جسمه و عقله لمواجهة الحياة التي سيدخلها ما إن يخرج من رحم أمه إلى رحم الحياة.

لماذا لم نكن هكذا قبل دخولنا السجن، ألم نكن نبدأ بداية جديدة في كل يوم! ألم نكن نعيش حياة جديدة كل يوم! مالذي حدث؟ مالذي أعطى الدقائق و الساعات خارج هذه الجدران قيمة لم نكن ندركها قبل دخولنا؟ هناك تدرك أننا حقاً لا ندرك نعم الله حتى نُسلبها! و نحن هناك كنا نضع الخطط ليوم الغد، ذلك اليوم الذي سنخرج فيه لنبدأ بدايةً جديدة، بدايةٌ كنا نبدأها كل يوم و لكننا لم نكن لندرك قيمتها. هناك عرفنا قيمة الوقت، كما عرفنا هناك قيمة الصحة.

ماذا تعني الحياة لك؟ هل فكرت يوماً في هذا السؤال؟ مالذي يضفى على حياتك معنىً؟ مالذي يمنحها سبب وجودها و غايته؟ سؤال يراودني…

هل ما نفعله هو أقصى ما نستطيع فعله؟ هل هذه هي كل طاقاتنا و إمكاناتنا؟ مالذي يمكن أن يفجر فينا طاقات لم نكن نعلم أننا نمتلكها؟ أيضاً سؤال يراودني…

Advertisements
 
2 تعليقان

Posted by في مايو 3, 2012 in علمتني حياتي

 

الأوسمة:

2 responses to “علمتني الحياة – محمد شادي الراجح 3

  1. دعــــوة

    يونيو 17, 2012 at 11:34 م

    ذكرني كلامك أخي … بتلك الايام التي قضيناها بدون كهرباء أو اتصالات ( وحالنا مثل حال البقية كما تعلم )…….وانقطعنا عن العالم الخارجي تماما ( وحتى عن الجيران ) كحال السجناء ولكن في بيوتنا … عندها راودتني هذه الاسئلة كثيرا … فعلا لقد علمتني هذه المرحلة مالم أتعلمه من قبل…!!!
    سبحان الله …
    أما عن السجناء …. فتجربة والدي ( المعتقل سابقا لعشر سنوات ) فيها من القصص الشيء الكثير… والله حين يرويها أشعر بالخجل…والله شعرت وكأنهم يعيشون في جامعة … وكل يدرس اختصاصه … الطبيب والمهندس والمدرس … !!
    ويقدمون اختراعات لم تسمع بها من قبل…!!
    ويعيشون دورة حياة طبيعية جدا .. بل خيالية بانجازاتها ….يؤسفني أننا لاندرك حتى نحرم …. !!!

    عذرا نسيت أن اقول لك ( حمدا على سلامتكم ) 🙂

     
    • shadispire

      يونيو 18, 2012 at 2:42 ص

      سلمك الله، غريب كيف أننا لا نقدر الأشياء حق قدرها حتى نحرم منها و الجميل أن نعيش تجارب تذكرنا بتقدير ما يستحق التقدير في حياتنا 🙂

       

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: